ابن كثير

16

البداية والنهاية

يا غرض القلب لقد * غادرت قلبي غرضا لأسهم كأنما * يرسلها صرف القضا فبت لا أرتاب في * أن رقادي قد قضى حتى قفا الليل وكاد * الليل أن ينقرضا وأقبل الصبح لأطراف * الدجا مبيضا وسل في الشرق على الغرب * ضياء وانقضى ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وخمسمائة في رجب منها أقبل العزيز من مصر ومعه عمه العادل في عساكر ، ودخلا دمشق قهرا ، وأخرجا منها الأفضل ووزيره الذي أساء تدبيره ، وصلى العزيز عند تربة والده صلاح ، وخطب له بدمشق ، ودخل القلعة المنصورة في يوم وجلس في دار العدل للحكم والفصل ، وكل هذا وأخوه الأفضل حاضر عنده في الخدمة ، وأمر القاضي محيي الدين بن الزكي بتأسيس المدرسة العزيزية إلى جانب تربة أبيه وكانت دارا للأمير عز الدين شامة ، ثم استناب على دمشق عمه الملك العادل ورجع إلى مصر يوم الاثنين تاسع شوال ، والسكة والخطبة بدمشق له ، وصولح الأفضل على صرخد ، وهرب وزيره ابن الأثير الجزري إلى جزيرته ، وقد أتلف نفسه وملكه ، وملكه بجريرته ، وانتقل الأفضل إلى صرخد بأهله وأولاده ، وأخيه قطب الدين . وفي هذه السنة هبت ريح شديدة سوداء مدلهمة بأرض العراق ومعها رمل أحمر ، حتى احتاج الناس إلى السرج بالنهار . وفيها ولى قوام الدين أبو طالب يحيى بن سعد ( 1 ) بن زيادة كتاب الانشاء ببغداد ، وكان بليغا ، وليس هو كالفاضل . وفيها درس مجير الدين أبو القاسم محمود بن المبارك بالنظامية ، وكان فاضلا مناظرا . وفيها قتل رئيس الشافعية بأصبهان محمود بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي قتله ملك الدين سنقر الطويل ، وكان ذلك سبب زوال ملك أصبهان عن الديوان . وفيها مات الوزير وزير الخلافة : مؤيد الدين أبو الفضل محمد بن علي بن القصاب ، وكان أبوه يبيع اللحم في بعض أسواق بغداد . فتقدم ابنه وساد أهل زمانه . توفي بهمدان وقد أعاد رساتيق كثيرة من بلاد العراق وخراسان وغيرها ، إلى ديوان الخلافة ، وكان ناهضا ذا همة وله صرامة وشعر جيد . وفيها توفي :

--> ( 1 ) في ابن الأثير : سعيد .